ابن العربي

108

أحكام القرآن

وقد سأل بعض المتأخرين من أصحابنا أهل بلادنا ، فقال لهم : إنّ العامّ عند أبي حنيفة ينسخ الخاصّ ، وهذا البائس ليته سكت عما لا يعلم ، وأمسك عما لا يفهم ، وأقبل على مسائل مجردة « 1 » . وقد روى الأئمة عن ابن عباس أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال يوم فتح مكة : إنّ هذا البلد حرّمه اللّه تعالى يوم خلق السماوات والأرض ، فهو حرام بحرمة اللّه تعالى إلى يوم القيامة ، وإنه لم يحلّ القتال فيه لأحد قبلي ، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار . فقد ثبت النهى عن القتال فيها قرآنا وسنة ؛ فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل إليه . وأما الزاني والقاتل فلا بدّ من إقامة الحدّ عليه ، إلا أن يبتدئ الكافر بالقتال فيها فيقتل بنصّ القرآن . المسألة الثالثة - قوله تعالى : فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ . هذا يبيّن أنّ الكافر إذا قاتل قتل بكل حال ، بخلاف الباغي المسلم فإنّه إذا قاتل يقاتل بنيّة الدّفع ، ولا يتبع مدبر ، ولا يجهز [ 58 ] على جريح ؛ وهذا بيّن . المسألة الرابعة - قوله تعالى : فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يعنى انتهوا بالإيمان فإنّ اللّه يغفر لهم جميع ما تقدم ، ويرحم كلّا منهم بالعفو عما اجترم . وهذا ما لم يؤسر ، فإن أسر منعه الإسلام عن القتل وبقي عليه الرقّ ، لما روى مسلم وغيره عن عمران بن حصين أنّ ثقيفا كانت حلفاء لبنى عقيل في الجاهلية ، فأصاب المسلمون رجلا من بنى عقيل ومعه ناقة له ، فأتوا به النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا محمد ؛ بم أخذتني وأخذت سابقة الحاجّ ؟ قال : أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف ، وقد كانوا أسروا رجلين من المسلمين ، فكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم يمرّ به وهو محبوس ، فيقول : يا محمد ، إني مسلم . قال : لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كلّ الفلاح ، ففدّاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برجلين من المسلمين ، وأمسك الناقة لنفسه . الآية الثانية والأربعون - قوله تعالى « 2 » : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ . فيها أربع مسائل :

--> ( 1 ) في ا : على مسائله المجردة . ( 2 ) الآية الثالثة والتسعون بعد المائة .